خاطرة تاريخية
مراسلات الحسين – مكماهون: وعد الاستقلال حين صار التاريخ سؤال تأويل
قراءة تاريخية هادئة في مراسلات الحسين ومكماهون بين 1915 و1916، وكيف تحولت وعود الاستقلال العربي إلى واحدة من أكثر قضايا الشرق الأوسط جدلا بعد الحرب العالمية الأولى.
تمهيد
هناك وثائق لا تبقى في الأرشيف. تخرج منه كلما وقع خلاف على معنى الدولة، أو الوعد، أو الخريطة. ومن هذه الوثائق مراسلات الحسين ومكماهون؛ عشرة خطابات قصيرة في عددها، بعيدة الأثر في نتائجها، جرت بين الشريف الحسين بن علي في مكة، والسير هنري مكماهون المعتمد البريطاني في مصر، في قلب الحرب العالمية الأولى.
لا أقرأ هذه المراسلات بوصفها حكاية دبلوماسية فحسب. أقرأها كدرس في اللغة السياسية: كيف تستطيع كلمة غامضة أن تصنع حدودا؟ وكيف يمكن لاستثناء صغير في رسالة أن يصبح نزاعا يمتد عقودا؟ وكيف تتحول الوعود حين تخرج من يد صاحبها إلى تاريخ لا يملكه أحد؟
إذا كانت الرسائل المتبادلة بين المنصور والنفس الزكية تكشف كيف كان الصراع على الشرعية يلبس ثوب النسب والخلافة في القرن الثاني الهجري، فإن مراسلات الحسين ومكماهون تكشف وجها آخر: صراع القرن العشرين على الاستقلال، والخرائط، وحق الشعوب في أن تفهم ما وعدت به.
ليست هذه المراسلات قصة وعد واحد. إنها قصة وعد أحاطت به الاستثناءات، ثم جاءت بعده وثائق أخرى جعلت كل كلمة فيه موضع محاكمة.
العالم قبل الرسائل
كانت الدولة العثمانية قد دخلت الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا، وكانت بريطانيا تنظر إلى الشرق العربي من زاويتين متداخلتين: زاوية الحرب ضد العثمانيين، وزاوية حماية مصالحها في مصر والهند والخليج. أما الحجاز، فكان له موقع خاص؛ ليس لأنه قوة عسكرية كبرى، بل لأنه يحمل رمزية الحرمين وشرافة مكة، وله صلة وجدانية بالعالم الإسلامي.
من هنا بدأ التفكير البريطاني في مخاطبة الشريف الحسين. لم تكن بريطانيا تبحث عن صداقة أدبية، بل عن تحالف يخدم الحرب. ولم يكن الشريف الحسين يطلب مجاملة، بل كان يريد اعترافا سياسيا باستقلال العرب بعد سقوط السلطة العثمانية عن بلادهم.
في هذه اللحظة اجتمع الخوف والطموح:
- بريطانيا تخشى أثر الدعوة العثمانية إلى الجهاد على المسلمين الخاضعين لإمبراطوريتها.
- الشريف الحسين يتوجس من سياسة الاتحاديين في إسطنبول ومن تضييق نفوذهم على الحجاز.
- الجمعيات العربية في دمشق كانت قد صاغت تصورا للحدود العربية في ما عرف ببروتوكول دمشق.
- الحرب جعلت ما كان حلما سياسيا قابلا للتفاوض، لكنها جعلته أيضا قابلا للاستغلال.
ما الذي طلبه الشريف الحسين؟
افتتح الشريف الحسين المراسلات في تموز/يوليو 1915 بطلب واضح في جوهره: اعتراف بريطانيا باستقلال البلاد العربية ضمن حدود واسعة تمتد شمالا إلى مرسين وأضنة وما جاورهما، وشرقا إلى حدود فارس والخليج، وجنوبا إلى المحيط الهندي مع استثناء عدن، وغربا إلى البحر الأحمر والبحر المتوسط.
لم يكن الطلب مجرد خريطة. كان مشروعا سياسيا كاملا:
- استقلال عربي بعد الحرب.
- خلافة عربية إسلامية.
- أفضلية اقتصادية لبريطانيا في البلاد العربية.
- تعاون عسكري وسياسي عند الحاجة.
- ضبط العلاقة بين الطرفين قبل بدء الثورة على الدولة العثمانية.
هنا تظهر أول ملاحظة مهمة: الشريف الحسين لم يدخل التفاوض طالبا مالا أو سلاحا فقط. كان يريد اعترافا بالكيان السياسي قبل أن يبدأ الفعل العسكري. كان يدرك أن الثورة إن بدأت بلا وثيقة، فقد تنتهي بلا حق.
جواب مكماهون الأول: حرارة في المجاملة، برودة في الحدود
رد مكماهون في آب/أغسطس 1915 بلغة ودية، وأظهر قبولا عاما لفكرة استقلال العرب، لكنه تهرب من مسألة الحدود. في السياسة، قد يكون التأجيل أحيانا جوابا بحد ذاته. فحين يقال إن الوقت غير مناسب لتحديد الحدود، فإن الطرف الآخر يفهم أن أصل المسألة لم يحسم بعد.
لذلك عاد الشريف الحسين في أيلول/سبتمبر 1915 إلى النقطة نفسها. لم يكن مستعدا لأن يبدأ الثورة على أساس وعد عائم. أراد أن يعرف أين تبدأ البلاد العربية التي سيعترف بها الإنجليز، وأين تنتهي.
وهذا الإصرار هو ما يجعل المراسلات لاحقا وثيقة خطيرة؛ لأنها ليست محادثة عابرة، بل تفاوض على حدود وسلطات واعتراف.
الرسالة المفصلية: 24 تشرين الأول/أكتوبر 1915
الرسالة الأهم في المراسلات هي جواب مكماهون المؤرخ في 24 تشرين الأول/أكتوبر 1915. في هذه الرسالة أعلنت بريطانيا استعدادها للاعتراف باستقلال العرب وتأييده داخل الحدود المطلوبة، لكنها وضعت تحفظات. أهم هذه التحفظات يتعلق بمناطق قالت بريطانيا إنها لا تعد عربية خالصة، وبأجزاء من سوريا تقع غرب دمشق وحمص وحماة وحلب، مراعاة لمصالح فرنسا.
هنا ولدت العقدة الكبرى.
ما المقصود بدمشق وحمص وحماة وحلب؟ هل المقصود المدن وما حولها؟ أم المقاطعات والولايات؟ وهل تدخل فلسطين في الاستثناء أم لا؟ ولماذا لم تذكر فلسطين صراحة إن كانت بريطانيا تريد إخراجها من الوعد؟
هذه الأسئلة ليست تفصيلا لغويا. إنها جوهر النزاع. فالخريطة لا ترسم بالقلم وحده، بل ترسم أحيانا بتفسير كلمة.
كيف قرأ الحسين الاستثناء؟
من الواضح أن الشريف الحسين لم يقبل بسهولة فكرة إخراج السواحل السورية أو المناطق الشمالية من الوعد. تنازل عن مرسين وأضنة تسهيلا للاتفاق، لكنه أصر على عروبة حلب وبيروت وسواحلهما. كان يرى أن الحديث عن العرب لا يمكن أن يستثني بلاد الشام بهذه الخفة.
أما العراق، فكان موضع تفاوض مؤجل بسبب المصالح البريطانية في بغداد والبصرة. لكن فلسطين بقيت في قلب الغموض؛ لا لأنها ذكرت كثيرا، بل لأنها لم تذكر بالاسم. وهذا الصمت هو الذي جعلها لاحقا في مركز الجدل.
في القراءة التاريخية، الصمت ليس فراغا دائما. أحيانا يكون الصمت طريقة لصناعة أكثر من تفسير.
الرسائل الأخيرة: من الوعد إلى التحضير
استمرت المراسلات حتى آذار/مارس 1916. ومع اقتراب نهايتها بدأ الكلام ينتقل من الحدود إلى التحضير العملي للثورة: أموال، سلاح، ذخيرة، وطعام. وفي حزيران/يونيو 1916 اندلعت الثورة العربية الكبرى.
من الناحية العربية، كانت الثورة ثمنا سياسيا وعسكريا لوعد الاستقلال. ومن الناحية البريطانية، كانت الثورة أداة مفيدة لإضعاف الدولة العثمانية وتشتيت جبهاتها. الفرق بين القراءتين هو الفرق بين من يرى الوثيقة عهدا، ومن يراها وسيلة في ظرف الحرب.
وهنا تتضح مأساة المراسلات: الطرفان لم يكونا يقرآن الورقة بالوزن نفسه. الشريف الحسين كان يقرأها باعتبارها أساسا لمستقبل عربي. أما بريطانيا فكانت تقرأها داخل شبكة أوسع من مصالحها مع فرنسا والحركة الصهيونية وإدارة ما بعد الحرب.
الوثائق التي جاءت بعد ذلك
لا يمكن فهم مراسلات الحسين ومكماهون وحدها. فالرسائل كتبت في 1915 و1916، لكن معناها انفجر بعد ظهور وثائق وتعهدات أخرى.
في أيار/مايو 1916 جاء اتفاق سايكس بيكو بين بريطانيا وفرنسا، وفيه تصور لتقاسم مناطق النفوذ في المشرق العربي. ثم جاء تصريح بلفور في تشرين الثاني/نوفمبر 1917 مؤيدا إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وبعد الحرب جاءت ترتيبات الانتداب، ومؤتمر باريس، وسان ريمو، والخرائط التي أعادت تشكيل المنطقة.
لهذا رأى الشريف الحسين وكثير من المثقفين العرب أن بريطانيا لم تلتزم بروح ما وعدت به. لم تكن المشكلة في وثيقة واحدة فقط، بل في تراكم وثائق متعارضة:
- وعد للعرب بالاستقلال.
- تفاهم مع فرنسا على مناطق نفوذ.
- وعد للحركة الصهيونية في فلسطين.
- إدارة عسكرية ثم انتدابية لا تشبه مبدأ تقرير المصير.
حين تتعدد الوعود ولا يجلس أصحابها على الطاولة نفسها، يدفع التاريخ ثمن ذلك لاحقا.
فلسطين: الاسم الغائب والحاضر الأكبر
أشد ما جعل المراسلات باقية في الجدل هو سؤال فلسطين. لم تذكر فلسطين بالاسم في خطاب مكماهون المفصلي. العرب رأوا أن عدم ذكرها يعني أنها داخلة في حدود الاستقلال العربي، خاصة أن الاستثناء تحدث عن أجزاء من سوريا غرب مدن معينة، لا عن فلسطين أو القدس أو الساحل الفلسطيني.
أما التفسير البريطاني اللاحق فحاول أن يجعل فلسطين خارجة من الوعد. لكن هذا التفسير واجه اعتراضا كبيرا، لأنه بدا وكأنه قراءة لاحقة صنعتها الحاجة السياسية بعد تصريح بلفور لا نية واضحة عند كتابة الرسائل.
لا أريد هنا أن أقدم حكما قانونيا نهائيا؛ فهذا باب خاض فيه مؤرخون وقانونيون كبار. لكن ما يعنيني في هذه الخاطرة أن الوثيقة كلما احتاجت إلى كثير من الشرح للدفاع عن نية صاحبها، دل ذلك على أن نصها لم يكن بريئا من الغموض.
اللغة التي صنعت الأزمة
في هذه المراسلات أربع كلمات مفتاحية:
الاستقلال: كلمة جميلة في ظاهرها، لكنها تحتاج إلى حدود وسلطة وجيش وإدارة واعتراف دولي. الاستقلال إذا لم يحدد جيدا قد يصبح شعارا أكثر منه واقعا.
الاستثناء: كلمة صغيرة لكنها قادرة على تغيير الخريطة. ما استثني؟ ولمصلحة من؟ وهل هو مؤقت أم دائم؟ وهل فهمه الطرفان بالمعنى نفسه؟
مصالح الحلفاء: هذه العبارة تبدو دبلوماسية، لكنها تعني أن وعد العرب لم يكن وحده على الطاولة. كان هناك طرف فرنسي، ومصالح بريطانية، وحسابات حرب، ثم التزام صهيوني لاحق.
بعد الحرب: كل وعد مؤجل إلى ما بعد الحرب يحمل في داخله خطرا. لأن من يملك القوة بعد الحرب قد يفسر النص كما يشاء، أما من دفع الثمن في زمن الحرب فقد يجد نفسه يناقش معنى الكلمات بعد فوات القوة.
الحسين بين العهد والخذلان
في سيرة الشريف الحسين بعد الحرب ما يشرح موقفه من الوثائق أكثر من أي تحليل. رفض التصديق على معاهدات وترتيبات رأى أنها تسلم فلسطين وسوريا لغير أهلها، ورفض أن يضع اسمه على نص يناقض ما ظنه عهدا سابقا.
وهنا يصبح الرجل، مهما اختلف الناس في تقييم سياساته، شاهدا على مأزق زعيم وثق في وعد دولي ثم وجد الوعد محاطا باستثناءات أقوى منه.
التاريخ لا يرحم حسن النية وحده. لكنه لا يعفي أيضا من كتبوا عبارات واسعة وهم يعلمون أن كل طرف سيقرؤها لمصلحته.
ماذا نتعلم من هذه المراسلات؟
أولا: الوثائق لا تقاس فقط بما كتب فيها، بل بما كان معروفا عند كتابتها وما ظهر بعدها من تعهدات موازية.
ثانيا: الغموض في السياسة ليس دائما ضعفا لغويا. قد يكون أداة مقصودة لإرضاء أكثر من طرف في وقت واحد.
ثالثا: الشعوب الصغيرة أو الضعيفة عسكريا تحتاج إلى وضوح مضاعف في الاتفاقات، لأن الغامض غالبا يفسره الأقوى.
رابعا: الخرائط التي ترسم في زمن الحرب لا تنتهي بانتهاء الحرب. تبقى في المدارس، والذاكرة، والحدود، والنزاعات.
خامسا: قراءة التاريخ لا تعني أن نعيش في الماضي، بل أن نفهم كيف وصلت الأسئلة القديمة إلى حاضرنا بهذا الثقل.
لماذا أعود إلى هذه الرسائل؟
أعود إليها لأنها تذكرني بأن التاريخ الحديث للمنطقة لم يصنع فقط في ساحات القتال، بل صنع أيضا في رسائل، ومذكرات، وترجمات، وعبارات تحتمل أكثر من وجه. وأعود إليها لأنها تعلمنا أن الكلمة السياسية ليست بريئة حين تتصل بمصائر الشعوب.
في مراسلات الحسين ومكماهون نرى لحظة عربية كانت تظن أنها تقايض الثورة بالاستقلال، ولحظة بريطانية كانت تقايض الوعد بالمصلحة، ولحظة دولية كانت تعيد ترتيب المنطقة على نحو لا تزال آثاره حاضرة.
وليست قيمة قراءة هذه الوثيقة في أن نكرر الغضب وحده، بل في أن نتعلم دقة السؤال: من وعد؟ وبأي صفة؟ وبأي حدود؟ ومن كان يعلم بوجود وعود أخرى؟ ومن دفع الثمن حين اختلفت التفاسير؟
مصادر ومراجع للقراءة
- مراسلات الحسين – مكماهون على ويكيبيديا
- نص مراسلات حسين مكماهون على ويكي مصدر
- جورج أنطونيوس، يقظة العرب.
- إيلي قدوري، In the Anglo-Arab Labyrinth.
- جيمس بار، A Line in the Sand.
تنبيه المصدر
اعتمدت هذه الخاطرة في مادتها التاريخية على ويكيبيديا: مراسلات الحسين – مكماهون ، والمنشور تحت رخصة المشاع الإبداعي CC BY-SA 4.0.